
حين وصلتني الدعوة للمشاركة في مؤتمر «الابتكار في التعليم» الذي نظمته مؤسسة التأصيل العلمي في الفترة من 11 إلى 13 مايو 2026 عن بعد، ظننت أنني مقبل على مؤتمر عربي اعتيادي آخر، تُدار تفاصيله بالاجتهادات الفردية، وتختلط فيه الحماسة بالفوضى، وتتنازع فيه اللغة الصافية العالية مع أخطاء منشوراته وتعليماته ورسائله الإلكترونية. لكن التجربة كانت – ولله الحمد – مختلفة.
ومنذ قراءة أدبيات المؤتمر الأولى، شعرت أن خلف هذه الدعوة فريقًا يعرف ما يفعل. كانت منشورات المؤتمر أنيقة الإخراج، متماسكة اللغة، دقيقة التفاصيل، حتى ليخجل المرء حين يقارنها بمنشورات تصدر أحيانًا عن أقسام لغة عربية في جامعات عربية عريقة، تتعثر فيها العناوين، وتضطرب علامات الترقيم، وتفلت منها الأخطاء التي لا ينبغي أن تمر على عين محرر لغوي مبتدئ.
في التجربة الهندية، رأيت احترامًا حقيقيًا للغة العربية. احترامًا يظهر في الشكل قبل المضمون، وفي المضمون قبل الشعارات.
كان فريق التنظيم مهنيًّا في تواصله عبر البريد الإلكتروني؛ ردود واضحة، متابعة دقيقة، رسائل مختصرة تعرف ماذا تريد أن تقول. وكانت مجموعات التواصل مثالًا على الإدارة الهادئة المنظمة؛ تعليمات مرتبة، توقيت واضح، استجابة سريعة، ووعي بأن المؤتمر العلمي ليس ساحة ضجيج، وإنما مساحة عمل.
وأعترف أن بعض المواقف خلال المؤتمر كانت كاشفة ومؤلمة في الوقت نفسه.
أشعرني بالحرج عدد من المتحدثين العرب الذين قدموا أوراقهم البحثية بلهجاتهم المحلية الثقيلة، في مؤتمر يضم معلمي لغة عربية من الهند وباكستان ودول آسيوية مختلفة، جاءوا ليستمعوا إلى العربية الفصحى ويتعلموا منها. وكان محرجًا أن يأتي التنبيه من الحاضرين أنفسهم، بأدب جمّ، بأن متابعة الإلقاء أصبحت صعبة عليهم بسبب اللهجة. لحظة كهذه تجعل المرء يعيد التفكير في مسؤولية الباحث العربي حين يتحدث باسم لغته خارج حدود بلده.
ولم يكن المشهد أقل إحراجًا حين كان بعض الأساتذة يسألون عن تعليمات كُتبت في المجموعة قبل دقائق قليلة. ذلك الاستعجال في السؤال، وذلك الكسل المعرفي الذي يفضّل الكلام على القراءة، يكشف جانبًا من أزمة أكاديمية أوسع، أصبحت فيها سرعة السؤال أحيانًا بديلًا عن التأمل والبحث والانتباه.
ومن المشاهد التي علقت في ذهني أيضًا، أن أحد المشاركين ما إن انتهى من عرض ورقته حتى بادر بالسؤال عن شهادة المشاركة. لم يكن السؤال في ذاته مشكلة، لكن توقيته يؤكد أن الشكل عند بعض الأكاديميين تحوّل إلى غاية مستقلة، حتى كأن الورقة البحثية جسرٌ إلى الشهادة، لا إلى الفكرة.
ومع ذلك كله، بقيت التجربة ثرية ومُلهمة.
في هذا المؤتمر، لمست محبة للعربية لا تتكلف الادعاء. ورأيت معلمين يتابعون باهتمام، ويصغون للفصحى بإجلال، ويحملون همّ اللغة بحب صادق. هناك، بعيدًا عن العالم العربي، تشعر أحيانًا أن العربية أكثر راحة، وأكثر تقديرًا، وأكثر حضورًا في القلوب.
طوبى للعربية بالهنود.