
الاستدامة اللغوية

موسوعة أدب الأطفال
النيات الطيبة وحدَها لا تكفي لعودة العربية قوية جزلة، سلسة سهلة، بَيِّنَةً مُبينة كما كانت وكما ينبغي أن تكون، والحماسة دون تخطيطٍ وعمل ليست إلا جرعة مسكنة للألم، أو هي في حالات أخرى تفريغ لبعض الألم النفسي، لا يترتب على هذه وتلك أيُّ أثر ولا تحققان أي نتيجة، ولا تصنعان أي فارق، الفارق يُصنع بالعمل، والعمل لا بد أن يكون على بصيرة، أو بالتعبير المعاصر “وفق خطة”.
مأسسة العمل اللغوي
لا يمكن العمل من أجل نهضة اللغة العربية وترقيتها مجتمعيًّا، وتعزيزها عالميًّا، دون خطة، ولا ينهض بالخطة فرد، فالعمل المؤسسي هنا أجدى وأهدى.
إن التخطيط لمؤسسة للغة العربية تكون مرجعًا علميًّا وثقافيًّا تتميز به العربية ثقافة ولغة بين الحضارات الأخرى على نمط الإنجليزية التي راجت أو روّج لها المجلس البريطاني، والفرنسية التي قدمتها الرابطة الفرنسية، والألمانية التي سوّق لها معهد جوته، يحتاج إلى وجود جهات وشخصيات تتميز بالقدرة على التخطيط اللغوي والخبرة الميدانية والاطلاع على التجارب السابقة والمؤسسات والمراكز والمجامع التي تؤدي هذا الدور.
وفي اللغة العربية كثيرة هي المؤسسات، إنها بعدد الدول العربية، ولولا المبالغة لقلت إنني أخشى أن تكون بعدد المدن العربية، ولربما رأيت في بعض المدن أكثر من مؤسسة، وهذا الكلام وإن كان يحمل شيئًا من التشاؤم، إلا أن فيه نقطة إيجابية، وهي أننا في الواقع اللغوي العربي، مقتنعون بضرورة وجود المؤسسة، والأكثر إيجابية أننا ماضون فيها.
الوقوف عند الاسم والتوصيف
تتنوع مظلات الجهود الموجهة للغة العربية ما بين منظمات ومؤسسات ومراكز وجامعات ومعاهد وهيئات ومجامع وجمعيات ومجالس وائتلافات ولجان ومؤتمرات وفرق ومشاريع ومبادرات.
إن التأمل في الشكل التنظيمي الذي يختاره العاملون الغيورون على لغتهم يُظهر أن الجمعية هو الشكل الأكثر شيوعًا باعتبار اللغة شأنًا جمعيًّا مجتمعيًّا، وتكون الجمعيات أهلية ضمن مؤسسات المجتمع المدني وتسمى في بعض الدول نقابة، ومثالها في الإمارات جمعية حماية اللغة العربية، لكن بعضهم يرى أمر اللغة شأنًا علميًّا بحثيًّا فيختار الشكل العلمي المتمثل في المجمع العلمي كما في مجامع اللغة العربية في أغلب العواصم العربية، أو ربما يختار بعض العاملين للغة أن يديروا العملَ عن طريق مركز أو هيئة وكلاهما نمثل له بمركز أبوظبي للغة العربية الذي بدأ هيئة ثم صار مركزًا، ولربما رأينا من يضع العمل تحت مظلة أكبر هي المنظمة التي استظلت بها المنظمة العالمية للنهوض باللغة العربية، ومنهم من يجعله ائتلافًا كالائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية أو مجلسًا كالمجلس الدولي للغة العربية الذي تأسس في لبنان بإشراف من جامعة الدول العربية، أو الاتحاد العالمي للغة العربية الذي انبثق من المجلس السابق أو المؤتمر العالمي للغة العربية الذي انبثق أيضًا هو الآخر من المجلس.
أو يكتفي بأن يكون لجنة كلجنة التمكين في سوريا، أو مشروعًا كمشروع كلمني بالفصحى في سوريا، أو مبادرة كمبادرة بالعربي في دبي، أو فريقًا كفريق الضاد في دبي، ويمكن أن تكون المظلة التنظيمة أبسط من ذلك بكثير مما لا يتطلب إشهارًا رسميًّا، بسبب الفضاء المفتوح في حسابات التواصل الاجتماعي كصفحة أو حساب أو مجموعة أو ناد أو منتدى إلكتروني أو واقعي.
ويبدو من الإنصاف أن تقرر أن الشكل التنظيمي الإداري الذي يكتسب الهيبة والرسمية والعلمية في آن هو المجمع؛ مجمع اللغة العربية، إنه أقدم الأشكال وأحدثها، فمجمع اللغة العربية في دمشق احتفل بمئويته، وفي العام التالي لاحتفاله بالمئوية أوقد مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية شمعته الأولى، مرسخًا لمجامع اللغة العربية التي ينتظم في عقدها مجامع القاهرة والأردن وفلسطين وليبيا والخرطوم، والذي أدرك أصحابها أن التشتت منقصة، فأنشؤوا اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية.
المقارنات المعيارية
ومن المنطقي أن نتساءل في ضوء كثرة التوصيفات للعمل المجتمعي والعلمي للغة العربية، وفي ضوء تنوع الأشكال التنظيمية لفرق العمل عن الخيار الأنسب توصيفًا وتنظيمًا، وربما تقودنا العين الراصدة إلى دراسة مقارنة للشعوب الأخرى ودورها في تعزيز لغتها بل ونشرها عالميًّا، فيظهر أمامنا نماذج المجلس البريطاني، والرابطة الفرنسية، والأكاديمية الملكية الأسبانية، ومعهد غوته، ومعهد كونفيشيوس، ومعهد بوشكين، ومعهد ثيربانتس.
ويمكن أن نلاحظ أن اللغات العالمية الأهم في العصر الحديث تقف خلفها مؤسسة قوية رسمية، تدعمها علميًّا وتعليميًّا ومجتمعيًّا، تتسم بتوحيد الجهود وصرامة المراقبة ووجود الأثر، يلاحظ من هذه المؤسسات أن لا مؤسسة ادعت حماية أو حفاظًا أو رعاية أو خدمة أو تمكينًا أو نهوضًا، كما يلاحظ الحضور الرمزي لأسماء شخصيات كان لها دور في وضع قواعد اللغة أو ترك بصمة مميزة في أدبها.
أما وقد وضعنا أنفسنا في هذه المقارنة، فإن التساؤل الذي يفرض نفسه، ألسنا نملك ما يملكون وأكثر!! فلمَ لم ننجز ما أنجزوا؟ أظن أن العبرة في التخطيط اللغوي.
ما الذي نخطط له
تمثل تجارب العمل من أجل اللغة العربية نموذجًا لتطور الفكر الإداري عند العرب، وهو تطور قد يبدو بطيئًا نوعًا ما، لكنه مورق ومثمر على الأغلب، ويمكن أن نستقري تطور هذا الفكر من خلال المفردات التي عبر بها أرباب العربية عن العمل المنهجي من أجلها، فبدءًا من استخدام مصطلح “الدفاع” عن اللغة العربية الذي بدأ في دول المغرب العربي، ومرورًا بمصطلحات “الحفاظ” و”الحماية” و”الرعاية” و”الخدمة” التي بدأت بالارتباط باللغة العربية في العقد الأخير من القرن الماضي، ثم تطور الخطاب مستخدمًا مصطلح “التمكين” بدءًا من القمة العربية في دمشق 2008، إلى أن استقر على مصطلح “النهوض” في الأعوام القليلة الماضية.
التوصيفات كثيرة لكن المضمون يتسم بالتكرار والتشابه والتقليد، وفي أحيان أخرى بالتنظير الذي لا يترجم إلى واقع، أو بالفردية التي لا تبني على ما سبق، وفي أحيان أخرى يجنح الاسم إلى الفخامة ويدعي الضخامة على حساب المضمون.
العلاقة بين السياسة اللغوية والتخطيط اللغوي
التخطيط اللغوي هو وضع لعملية السياسات محل التنفيذ؛ ولذا فإن من يشتكي من غياب السياسة اللغوية يتحول من الشكوى إلى النواح، وفي حين أن السياسة اللغوية تشريع، فإن التخطيط شروع في التنفيذ، فالتخطيط اللغوي يشير إلى بذل جهد، وينبئ عن وجود رؤية ورسالة وقيم وأهداف وغايات واستراتيجيات ووسائل ومؤشرات نجاح ومعايير تقييم ومدى زمني، ومثل هذه العمليات الإدارية المنظمة والتخصصية تتطلب من اللغوي سعة أفق وغزارة معرفة في الحقول الأخرى، وهي حقول لا تبتعد عن الحقل اللغوي؛ إذ إنها تندرج تحت علم اللغة الاجتماعي، أو ما يسمى أيضًا باللسانيات الاجتماعية أو اللغويات الاجتماعية هو فرع من علم اللغويات أو اللسانيات، يضم تحته السياسة اللغوية والتخطيط اللغوي ويهتم بدراسة تأثير جميع جوانب المجتمع، ويتضمن ذلك المعايير الثقافية والتوقعات والبيئة وطريقة استخدام اللغة والآثار المترتبة على استخدام اللغة في المجتمع.
ونشير إلى أن الباحثة هدي الصيفي درست ضمن متطلبات درجة الماجستير موضوع علاقة السياسة اللغوية بالتخطيط اللغوي على دراسة حالات من الوطن العربي، ووضعت فرضية علمية في بحثها مفادها أن اختلال السياسة اللغوية في البلاد العربية سببٌ في غياب التخطيط اللغوي، وهذا البحث جدير بأن يُقرأ.
ورغم وضوح طبيعة هذه العلاقة، إلا أن هناك من يختلف على أسبقية إحداهما على الأخرى، فهل وضع السياسة يأتي أولاً ثم التخطيط، أم التخطيط ثم يتلوه وضع السياسات كخطوة أولى، لكن هذا الأمر مما لا يفيد كثيرًا الاختلاف فيه.
أشكال التخطيط اللغوي
هناك أربعة أشكال للتخطيط اللغوي: الأول تخطيط الواقع، والثاني تخطيط المتن، والثالث تخطيط عملية الاكتساب، والرابع التخطيط المحدد الأهمية، وقد حدد العالم ناهير إحدى عشرة صورة للتخطيط اللغوي، هي:
م |
صور التخطيط اللغوي |
الأمثلة |
1 |
التنقية اللغوية |
التنقية المستمرة للغة الفرنسية من المفردات الدخيلة عبر فريق من الخبراء |
2 |
الإحياء اللغوي |
إحياء اللغة العبرية التي كانت شبه ميتة |
3 |
الإصلاح اللغوي |
اللغة التركية تتخلى عن الحرف العربي والفارسي وتختار الحرف اللاتيني |
4 |
التقييس اللغوي |
زنجبار تختار اللغة السواحيلية لغة وطنية من بين لغات محلية كثيرة |
5 |
نشر اللغة |
تجربة المجلس البريطاني في نشر اللغة الإنجليزية عالميًّا |
6 |
تحديث المفردات |
جهد مجمع اللغة العربية في متابعة المفردات الجديدة |
7 |
توحيد المصطلحات |
المعاجم التخصصية في الطب والعلوم |
8 |
التبسيط الأسلوبي |
قانون اللغة السهلة في أمريكا |
9 |
الاتصال بين لغتين |
تجربة اختراع لغة مشتركة بين البشر |
10 |
صيانة اللغة |
تجارب الجمعيات الأهلية في حماية اللغة العربية |
11 |
تقييس المصطلحات المساعدة |
تجربة سنغافورة في حصر الأسماء وتقديم تهجئة معتمدة لها |



